سورة آل عمران 128 لَيْسَ لَكَ)) يارسول الله ((مِنَ الأَمْرِ))المرتبط بهؤلاء الكفار ((شَيْءٌ))فإن النصر والهزيمة والكبت كلها مرتبطة بإرادة الله سبحانه كما قال سبحانه (ومارميت إذ رميت ولكن اله رمى) وقال (هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم) ثم رجع السياق الى تتميم قوله في الآية السابقة "أو يكبتهم" ((أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ))بأن تكون نصرة المؤمنين على الكفار سبباً لهداية جماعة منهم الى الإيمان فيتوب الله سبحانه عليهم فيما فعلوا سابقاً من الكفر والعصيان ((أَوْ يُعَذَّبَهُمْ))بأن تظفروا عليهم فتأسروهم ((فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ))فتعذيبهم ليس ظلماً من الله عليهم بل لظلمهم أنفسهم فالأمر ليس بيدك يارسول الله، وإنما ينصر الله المؤمنين لأحد أغراض أربعة : قطع طرف منهم، أو هزيمتهم وإرغامهم، أو هدايتهم، أو تعذيبهم، والإعتراض بجملة "ليس لك" لتركيز كون النصر من عند الله، فإن إعتراض جملة في وسط جملة متسقة توجب إلفات الذهن وتركيز المطلب أكثر من بيان الجملة في موقعها الطبيعي. سورة آل عمران 129 ليس لك شيء ((وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ))فيفعل ما يشاء بمن يشاء فإنه تصرف في ملكه لحكمة وغاية ((يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء))ممن إستحق الغفران بالطاعة والتوبة ((وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء))ممن إستحق العذاب بالكفر والعصيان ((وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))فتعذيبه أقل من غفرانه فقد سبقت رحمته غضبه. سورة آل عمران 130 ويرجع السياق هنا الى الربا والإنفاق مما مرّ بنا سابقاً، لمناسبة أن الربا من أسباب العذاب، والإنفاق من أسباب الغفران ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً))فإن من شأن الربا أن يتضاعف مرات ومرات فإن ربا الألف لو كان خمسيناً يصبح ربا الألف والخمسين -في سنة ثانية- ألفاً ومائة وإثنين ونصف وهكذا يتضاعف الربا، ويمتص مال الفقراء وعملهم الذي به يسدّدون الدَين والربا معاً ((وَاتَّقُواْ اللّهَ))خافوا عقابه ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، أي لكي تفوزوا بالثواب والنعيم. سورة آل عمران 131 وَاتَّقُواْ النَّارَ)) فلا تفعلوا ما يوجبها ((الَّتِي أُعِدَّتْ))وهُيّئت ((لِلْكَافِرِينَ))الذين يكفرون في الإعتقاد أو في العمل، أو المراد الكفار العقائديون والتخصيص بهم من أن العصاة أيضاً يذهبون الى النار، إن دوامها وبقائها عليهم، أو إنهم معظمهم أهلها. سورة آل عمران 132 وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ)) فيما يأمركم وينهاكم وذكر الرسول للتعظيم وإفادة أن أمره أمر الله سبحانه ((لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))، أي لكي تُرحموا في الدنيا والآخرة. سورة آل عمران 133 وَسَارِعُواْ)) ، أي بادروا ((إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ))، أي سبب المغفرة وهو الأعمال الصالحة الموجبة لغفرانه سبحانه ((وَ))الى ((جَنَّةٍ عَرْضُهَا))، أي سعتها -لا العرض مقابل الطول ((السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ))فهي وسيعة وسعة السماوات والأرض التي لا نهاية لها في التصور -فإن الفضاء الذي يعبّر عنه بالسماء مما لا يصل الفكر الى آخره ونهايته- ((أُعِدَّتْ))وهُيّئت ((لِلْمُتَّقِينَ))، أي الذين يتّقون المعاصي. سورة آل عمران 134 ثم بيّن المتّقين بقوله سبحانه ((الَّذِينَ يُنفِقُونَ))أموالهم ((فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء))، أي في حالتي اليسر والعسر أو حالتي السرور والإغتمام ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ))الذين يكظمون غيظهم وغضبهم ويترجعونه فلا ينتقمون ممن سبّب غيظهم ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ))يعفون عنهم إذا ظلموهم ((وَ))من فعل ذلك فهو محسن الى نفسه والى الناس و ((اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))ولا يخفى أن المتّقي هو الذي يجمع الصفات الحميدة كلها لكنها نُثرت في القرآن الحكيم بمناسبات نفسّر المتّقي في كل مكان ببعض صفاته كتناثر الزهور في أطراف الحديقة وإن كانت الحديقة تتركّب من المجموع. سورة آل عمران 135 وَالَّذِينَ)) عطف على "الذين يُنفقون"، أي أن المتّقين هم الذين ((إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً))، أي معصية تفحّش، أي تتجاوز الحد ((أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ))بما لا تبلغ حدّ الفاحشة من سائر أقسام المعاصي، فالفاحشة أخذ في مفهومها كون المعصية كبيرة ((ذَكَرُواْ اللّهَ))، أي تذكّروا نهي الله وعقابه ((فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ))، أي طلبوا غفران الله وندموا على ما فعلوا ((وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ))وهو إستفهام إستعطافي فالقرآن الحكيم يستعطف المذنبين نحو التوبة والإستغفار ((وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ))من المعاصي، بل إنقلعوا وندموا ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ))، أي يعلمون كون الفعل خطيئة، فلا يصرّون على الذنب مع علمهم به. سورة آل عمران 136 أُوْلَئِكَ)) المتّقون الذين هذه صفاتهم ((جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ))يغفر ذنوبهم في الدنيا يسترها وفي الآخرة بالعفو عنها ((وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ))، أي من تحت نخيلها وأشجارها ((خَالِدِينَ فِيهَا))أبد الآبدين ((وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ))فإن الغفران والثواب من أفضل أجر العاملين فإنّ أيّ أجر لا يبلغ مثل هذا الأمر الدائم الوارف. سورة آل عمران 137 قَدْ خَلَتْ)) ، أي مضت وسبقت ((مِن قَبْلِكُمْ))أيها المخاطَبون ((سُنَنٌ))جمع سُنّة بمعنى الطريقة، فقد كانت في الأمم السالفة طرائق، طريقة الحق وطريقة الباطل، طريقة الخير وطريقة الشر وهكذا ((فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ))إذهبوا الى البلاد التي كانت فيها تلك الأمم المنقرضة ((فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ))، أي تعرّفوا الى أخبارهم حتى تعلموا أنهم لم يربحوا وإنما أتوا وكذّبوا الرُسُل وتأمروا ثم ماتوا ودُفنوا ولم يبق لهم ذكر طيب في الدنيا ولم تدم لهم النعمة التي من أجلها عملوا ما عملوا وإنما إنتقلوا الى عذاب الله سبحانه ليكون في ذلك عِبرة لكم فلا تكونوا من المكذّبين بل من المؤمنين المصدّقين. سورة آل عمران 138 هَذَا)) القرآن، أو هذا الذي ذكرنا من أحوال المؤمن والكافر، وما قدّمناه من العِظة والإنذار ((بَيَانٌ لِّلنَّاسِ))دلالة وحجّة وتوضيح لهم كيف ينبغي أن يسلكوا ويعملوا ((وَهُدًى))يهديهم الى الحق ((وَمَوْعِظَةٌ))وعظ وإرشاد ((لِّلْمُتَّقِينَ))فإنهم هم الذين يستفيدون منه، وإن كان بياناً للناس عامة.
.
.
السبت, 30 يونيو, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.







